محمد متولي الشعراوي

5852

تفسير الشعراوى

قوة الريح ، فحين تكون الريح خفيفة ؛ يظهر سطح مياه البحر مجعّدا « 1 » ، وحين تكون الريح ساكنة ؛ فأنت لا تجد صفحة المياه مجعدة ، بل مبسوطة ، وقد جاءتهم الريح عاصفا فيزداد عنف الموج ، ويتحقق نتيجة لذلك الظن بأنهم قد أحيط بهم . ومعنى الإحاطة هو عدم وجود منفذ للفرار ؛ ولذلك نجد الحق سبحانه يتكلم عن الكافرين بقوله : وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ . . ( 19 ) . [ البقرة ] أي : ليس هناك منفذ يفلتون منه . ولحظة ظنهم أنه قد أحيط بهم ؛ لا يسلمون أنفسهم لهذه الحالة ؛ بدعوى الاعتزاز بأنفسهم غريزيا ، بل يتجهون إلى اللّه بالدعاء ، هذا الإله الذي أنكروه ، لكنهم لحظة الخطر لا يكذب أحد على نفسه أو يخدعها « 2 » . ولذلك نجد سيدنا جعفر الصادق يجيب على سائل سأله : أهناك دليل على وجود الصانع الأعلى ؟ فيقول سيدنا جعفر : ما عملك ؟ فيجيب السائل : تاجر أبحر في البحر . فسأله سيدنا جعفر : أو لم يحدث لك فيه حال ؟ قال الرجل : بل حدث . فسأل سيدنا جعفر : ما هو ؟ قال : حملت بضائعى في سفينة ، فهبت الريح وعلا الموج وغرقت السفينة وتعلقت بلوح من الخشب . قال سيدنا جعفر : ألم يخطر على بالك أن تفزع إلى شئ ؟ قال الرجل : نعم . قال سيدنا جعفر : هذا الصانع الأعلى . وكذلك لجأ هؤلاء الذين كفروا بالله إلى اللّه تعالى حين عصفت بهم الريح ، وعلا عليهم الموج ، وظنوا أنهم قد أحيط بهم ويقول الحق سبحانه

--> ( 1 ) المراد بتجعّد سطح الماء : التموجات التي تبدو على سطح المياه إذا هبّ عليها الهواء . ( 2 ) لأن فطرة الميثاق الأول تستجيب للإنسان عند الحاجة وعند إيضاح الحقيقة يقول الحق : وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ . . ( 25 ) [ لقمان ] ، فهذا القول نابع من الفطرة التي غابت عنهم في زحمة العناد ، ويظهر ذلك جليا عند حدوث الأخطار .